أحمد زكي صفوت
354
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
حصر فقال : « نكّسوا رءوسكم ، وغضّوا أبصاركم ، فإن المنبر مركب صعب ، وإذا يسّر اللّه فتح قفل تيسّر » . * * * وكان عبد ربه اليشكرىّ عاملا لعيسى بن موسى « 1 » على المدائن ، فصعد المنبر ، فحمد اللّه وأرتج عليه ، فسكت ثم قال : « واللّه إني لأكون في بيتي فتجيء على لساني ألف كلمة ، فإذا قمت على أعوادكم هذه جاء الشيطان فمحاها من صدري ، ولقد كنت وما في الأيام يوم أحبّ إلىّ من يوم الجمعة ، فصرت وما في الأيام يوم أبغض إلىّ من يوم الجمعة ، وما ذلك إلا لخطبتكم هذه » . * * * وأرتج على معن بن زائدة ، فضرب المنبر برجله ، ثم قال : « فتى حروب ، لا فتى منابر » . * * * وحدث عيسى بن عمر قال : خطب أمير مرة فانقطع فخجل ، فبعث إلى قوم من القبائل عابوا ذلك ولفّهم « 2 » ، وفيهم يربوعىّ جلد ، فقال : اخطبوا ، فقام واحد فمرّ في الخطبة ، حتى إذا بلغ « أما بعد » قال : أما بعد ، ولم يدر ما يقول ، ثم قال : فإن امرأتي طالق ثلاثا لم أرد أن أجمّع « 3 » اليوم فمنعتنى ، وخطب آخر ، فلما بلغ « أما بعد » بقي ونظر فإذا إنسان ينظر إليه ، فقال : لعنك اللّه ! ترى ما أنا فيه ، وتلمحنى ببصرك أيضا ! وقال أحدهم : رأيت القراقر « 4 » من السفن تجرى بيني وبين الناس ، وصعد اليربوعىّ فخطب فقال : « أما بعد » فو اللّه ما أدرى ما أقول ، ولا فيم أقمتمونى ، أقول ما ذا ؟ »
--> ( 1 ) هو عيسى بن موسى ابن أخي المنصور وكان أمير الكوفة . ( 2 ) لفهم : جمعهم . ( 3 ) جمع الناس بالتشديد : أي شهدوا الجمعة ، كما يقال : عيدوا : أي شهدوا العيد . ( 4 ) القراقر : جمع قرقور كعصفور : وهي السفينة أو الطويلة أو العظيمة .